ستة على ستة  

حمد الهرمي

اربع سنوات راقبنا جميعا الصراع بين المعارضة والدولة، صراع مرير لم نقتنع كشعب بسيط بغايات هذا الصراع والاقتتال الذي بلغ حالة من نزيف الدم، لما نقتنع لا بخطابات المعارضة الهشة والغضة التي تفتقر الى الحكمة والذكاء، ولا بتذبذب الدولة في المواقف المتأرجحة بين المتشددة والمتراخية حد الفوضى، التي اطلق عليها فيما بعد الفوضى الخلاقة.

قيل لنا هذا وطنكم وعليكم ان تصبروا فالمخاض والولادات دائما تكون صعبة ومؤلمة لكن بعدها تنفرج الامور ويزدهر الوطن، وقد صدقنا ذلك كل في مجاله فمسكنا انفاسنا وصبرنا مع الصابرين، صبرنا على معارضة تستهزئ بنا وتتعامل معنا باعتبارنا شعب من الاغبياء، كما صبرنا على دولة اعتبرت صمتنا ضعف ووطنيتنا مستمسك علينا تهددنا به كلما زاد المنا على قدرتنا على التحمل.

ها قد حطت معركة المعارضة والدولة اوزارها فماذا كان اول نتائج هذه الحرب؟ كنا نعتقد ان المهزوم سيتحمل شروط المنتصر، والمنتصر سيتحمل هندسة المستقبل، شأن اي صراع يشتعل بين السلطات داخل الدولة، بين المعارضة والنظام، لنفاجئ بان الشعب البحريني الصابر هو من يطلب منه تحمل تداعيات واستحقاقات المعركة، هو من عليه ان يدفع الثمن، ثمن اخطاء صريحة للمعارضة والنظام.

رفع الدعم عن اللحوم و المحروقات والكهرباء التي ستأتي قريبا، هي دلالة صريحة بان جميع الاطراف اتفقوا -بعد خلاف عبثي- على تحميل الناس ضريبة ما مررنا به من ربيع طويل دام، استمر اربع سنوات، خنقتنا خلاله رائحة الاطارات المحروقة وغازات مسيل الدموع، واسطوانات الغاز المتفجرة….).

البحرين تسجل اغرب علاقة بين دولة وشعبها وبين معارضة وشعبها، فبدل الاعتذار عما حدث والتعويض عن الانتهاك الذي تعرضنا له حيث تم مصادرة اربع سنوات من اعمارنا، جمد نشاط الجميع في انتظار الانفراج، اذا بالحكومة تبدأ اول تعويضاتها للناس برفع الدعم عنهم والتهديد بتسريح ما لا يحصى من الموظفين المدنيين عبر مشروع لتصغير حجم المؤسسات الرسمية تمشيا مع اجراءات التقشف الواجبة بسبب الموقف الاقتصادي المعقد والمتهالك للبحرين وانخفاض اسعار النفط.

تلوح الحكومة في وجه المواطنين بالتراجع الاقتصادي كما لو ان الناس هم السبب، كما لو ان الناس هم المسئولين عن عدم تنويع مصادر الدخل التي نادى به عدد ليس بقليل من المختصين الاقتصاديين منذ اكثر من عشرين عاما، كما لو ان الناس هم المسئولين عن عدم قدرة ممتلكات من تحقيق عوائد لاصول تفوق الخمسة مليارات، كأن الناس هم من يعيق حركة السياحة وتحويلها لمصدر دخل يسعف الدولة في الايفاء بالتزاماتها…)

كأن الناس هم من يستنزفون ميزانية الدولة والمال العام وليس الحفلات والمعارض والسباقات والوفود بالمئات تحت عناوين العلاقات العامة ناهيك عن المآدب وحفلات الشاي التي يعرف فواتيرها وزير المالية جيدا ويعرف من صرفها، ويعرف هو وكل اعضاء السلطة التشريعية ان ميزانية هذه الامور رصدت وتم تأمينها للسنوات القادمة بينما نلغي ميزانيات الدعم للناس في حاجاتهم الاساسية مثل الكهرباء والطاقة والاكل والشرب.

ما يرعب الناس في البحرين ليس التقشف والقناعة بالموجود فتاريخ البحرين يشهد على ملمات اصعب من ذلك والشعب البحريني تحملها بكل انسانية ووطنية لكن ما يخيفهم هو التعامل معهم في صبرهم على الازمات باعتبارهم (الطوفة الهبيطة)، والتعامل مع تضحياتهم باعتبارها ضعف وخنوع وليست حس وطني عال، هذا هو الخطر الكبير الذي لا يلتفت اليه احد اليوم بينما ستكون نتائجه كارثية على الجميع.

ان الاستخفاف بمشاعر شعب اعتقد انه خرج من عنق الزجاجة حيث قيل لنا اننا بصدد الخروج منها قبل فترة بسيطة وصبرنا عليها، عبر ادخالنا في عنق زجاجة تلو عنق زجاجة وهو بالتأكيد ما سيؤدي الى انهيار قيم المواطنة لدى الجميع حينها لن تفيد احد اليد الغليظة التي تم التعامل بها مع الناس منساقين وراء الحلول السهلة والسريعة لحل الازمة الاقتصادية بسبب نقص الخبرة وعدم قراءة التاريخ ناهيك عن اهمال العلم والمنطق السياسي في مثل هذه الظروف الحساسة.

لا يمكن الاعتماد على القوة والفوقية من قبل الانظمة في تعاملها مع شعوبها التي لتوها خرجت من ازمة طاحنة استفزازية، تم خلالها تهميش الناس وفئات المجتمع لصالح نفر من المعارضة والموالاة قفزوا على المنصة في اللحظة الحاسمة، ليتركوا البلد خربة منخورة تئن من الامراض الاجتماعية احدها وليس كلها مرض الطائفية.

من يفكر في تبني الحلول الفوقية المتعالية والتي من بينها رفع الدعم الان عليه ان يعرف انه يخطئ خطأ فادحا الكسر فيه لا يجبر ولا يرمم، فلا يغررنا الشكل الذي يبدو عليه الشعب البحريني من الخنوع والرضوخ، فليس هذا سوى الصبر الذي له نهاية بدون شك.. ما اقوله ليس تهديد بل واقع ومنطق.

للحديث صلة..

Advertisements