بقلم/ مهنا آل حبيل

سقطت كل الحجج وكل التغطيات الوهمية لحرب النظام الحاكم الموالي لإيران على مدن الاستقلال العراقي ذات الغالبية السُنية، التي وُضعت بين فكي كماشة ونفّذت عليها داعش كالعادة مصيدة الدحرجة لتي تُمكّن إيران ومشروعها الطائفي من البطش بكل روح مستقلة، عن الهيمنة الإيرانية في العراق، وهي تعيش مرحلة مذابح واستباحة واسعة للإنسان العربي في هذه المدن، التي تحولت فيها صفقة الغرب الكبرى مع إيران، ومن قبل الاتفاق النووي الى جحيم يُصب عليها بلا هوادة.

لكننا اليوم، نبحث في مخرج إنقاذ متوازن يُنقذ المدنيين ويوقف عملية الهولوكوست والابارتايد الذي يُنفّذ على سُنة العرق واتباع الشيخ الصرخي، وأي روح استقلال ممكن أن تجد مرفأً تتنفس منه، فتسحقها ميلشيات إيران المتعددة، أو تُدحرج عليها مشاريع داعش، وتتكامل عليها مصالح انتهازية لبعض سياسيي سُنة العراق، الذين سيعود العبادي المصنوع طائفيا وميليشياويا، للبطش بهم إن لم يباركوا بقية خطة التطهير.

وهذا الطرح يحتاج إلى عمق وفهم دقيق لمسارات الاستثمار وإعادة صناعة التحالفات من كل طرف حريص على العراق وأهله، لتحقيق قاعدة يقوم عليها توازن يتحول لصالح هذه المدن.

وليس الامر «بربوغندا» إعلامية أو منبرا للمشاتمة او الانفعال مع داعش أو عليها، التي تهيمن على بعض الشارع السني في الخليج العربي، وتدفع ضحايا الغدر الإيراني في العراق لمجرد التصفية النفسية، أو التورط في تقاطعات عسيرة تسحق مدنهم وإنسانهم، في زمن يغيب فيه فقه المصالح الشرعية السياسية وأيقونة الحُديبية، عن تفكير الراي العام الإسلامي والعربي.

ولتفكيك المشهد نقول إن مشروع إيران وصفقة الغرب يستفيد من حجم توظيف دول كبيرة في الوطن العربي وتركيا، للمشاركة في هذا التحالف، ولقد نجح هذا الاستثمار بعد تطرفٍ شديد من حماقات داعش، والذي أسس لأرضية قلق لدى كل هذه الدول لوضع داعش كمقدمة خطر أولى، في حين هي اليوم تُستخدم للدحرجة واستثمار ما بعد الحرب باسمها، لإعلان العراق كليا، في قبضة الولي الفقيه، وهي حرب وجودية لإيران ستُعاني منها المنطقة كثيراً.

بل إن انجاز هذا المشروع، سوف يضرب فكرة عاصفة الحزم ومواجهة المشروع الإيراني في مفصل رئيس، يؤدي الى تكريس تمكنّه من سوريا واليمن ولبنان، وعليه سيتحول الى الخليج العربي وتركيا ذاتها التي تُستدرج الى الموصل، ولذلك فإن إعادة رسم خيوط التفكير الإقليمي، بات ضرورة لدول المنطقة، وضبط هذا التحرك ووقف استثمار واشنطن وإيران لإمكاناتهم، ضد مصالح العرب والشرق. 

فهل هذا ممكن أن يحقق؟

نقول نعم ممكن وبمساحة أمن أفضل للشركاء الإقليميين ومخاطر أقل، وبفرصة تُحوّل هذا الاستثمار الى اتجاه مركزي نحو الهدف الكبير لأمن الشرق الإسلامي من صفقة الغرب وطهران، وهو الاحتواء المزدوج لإيران وداعش.

ومن المهم جداً أن نؤكد على حقيقة كبرى يسهل رصدها، وهي أن ثمرة ما يجري اليوم في جبهة الموصل وما قبلها يتوجه لعكس هذا الهدف، فهو سيقوي إيران ويقوي تحالفها مع الغرب ضد الشرق الإسلامي وضد الإنسان العراقي، وسيبعثر تشظيات داعش لتضرب في مسارات الامن الاستراتيجي لدول المشرق العربي.

وتغيير موازين المعادلة، يقوم على عدة أضلاع يؤسسها اجتماع إقليمي مصلحي كمحور دعم مقابل محور واشنطن والغرب وطهران وروسيا، الداعم مع مشاركات عربية لنصر مطلق للإيرانيين ولمذابحهم الطائفية، التي تجرى في اجتياحهم نحو جبهة الموصل.

أمّا عناصر التفعيل والتغيير الوطني على الأرض، فإنها تتمثل في غرفة عمليات لتحالفات من العراقيين، تقوم على قناعتهم جميعا بمنع هذا الخطر وتأمين الموصل ومحيطها، من هذا الهولوكوست وما بعده، وهو هنا يقوم على تشكيل عشائري مندمج ضمنيا بقواعد الثوار في فصائل المقاومة، ككتائب ثورة العشرين وجيش النقشبندية، وبعض كبار ضباط الجيش العراقي السابق، ليكون فريقا عسكريا أمنيا، يضمن انسحاب كل مقاتلي داعش من هذه الجبهات.

هذا هو العنصر الميداني الأهم، وعبره ممكن جدا لدول المحور الإقليمي الإسلامي ضم باكستان لها مستقبلاً ودول أخرى، أن تضغط على واشنطن لمنع هذا الاجتياح، وتشكيل نقاط مراقبة من قواتها، ثم البدء بتأمين إطار سياسي فوري من مجلس مشترك بين هذا التشكيل وبعض السياسيين، الذين لم يورطوا في التأييد المطلق لعمليات الاجتياح الإيرانية في صلاح الدين وغيرها.

إن كل منصف يعرف الفرق بين عشائر وفصائل المقاومة التي أيدت عاصفة الحزم والتي انضبطت شرعيا وانسانيا في كفاحها، وبين مراهقات وجرائم داعش، وفصل هذا البنيان العراقي المهم عن مشروع الشرق الإسلامي، خطيئة كبرى تتحول اليوم الى كارثة متدحرجة، تُمكن للخصم الإيراني وصفقاته. وهذا السيناريو ليس مشروعا متكاملاً يستدعي تحول العراق الى استقلال تام، أو هزيمة مطلقة للمشروع الإيراني، لكنه مخرج لسلامة المدنيين ولملف مهم لمصالح الشرق الإسلامي، الذي طالما أُخضع لقواعد اللعبة الغربية الإيرانية ومصالحها.

كما أن شدة الصراع بين السُنّة العراقيين يجب ألا تمنع مثل هذا التوحد على هذه التقاطعات، والمشروع الإنقاذي الذي حين ينجح، ممكن أن يحوّل الى أداة ضغط داخل الملف السياسي العراقي، برعاية للمحور الجديد، وتعاد ترتيبات نسبية متصاعدة تحّد من قدرات احتلال إيران السياسي للعراق. 

إن ترك المشهد بين مشاعر عاطفية تدفع هذه المناطق الشجاعة، الى آخر طلقة تستثمرها داعش ثم تسحقها إيران والغرب، ورفض أي فرصة أو صناعة أي مخرج او منع التعامل مع أي قوة إقليمية مصلحيا لدفع هذا البأس، هو انحراف مخالف لمنهج السياسة الشرعية، ثم تُطلق البكائيات على أطلال الضحايا، ولقد عانت المنطقة ومدنيوها من تكرار هذه المشاهد، وغياب تنسيق القوى الاجتماعية مع المحور الإقليمي الذي غاب طويلا، تحصده إيران اليوم قتلاً واحتلالا.

وعليه فإن التقدم لصناعة سياسية جديدة، ضرورة أمام الشرق الإسلامي بمحوره المستقل وشعوبه، وأن التأخير مكلف للغاية، كما ان صناعة هذا الحضور الاستراتيجي سيخضع له الغرب اليوم حين تتحالف دول لها مصالح معها، لكنه لن يفعل شيئاً غدا، حين يكتمل البدر الطائفي لصفقة البيت الأبيض الإيراني. 

Advertisements