بقلم/ محمد العثمان

كانت أول كتيبة تتطوع للقتال في فلسطين تضم من تنظيم الإخوان المسلمين المقدم أحمد عبدالعزيز من سلاح الخيالة والنقيب عبدالمنعم عبدالرؤوف والملازم أول كمال الدين حسين، والملازم أول معروف الحضري، والطبيب جراح محمد حسين غراب، وأما فتحي الخولي فاستشهد في خان يونس ودفن بها ويعد أول شهيد في فلسطين من طلائع الإخوان المسلمين، وفي معركة “البتة 86” استشهد الكثير من الإخوان المسلمين ودفنوا بمدافن الشهداء في العباسية.
قام المرشد العام للإخوان المسلمين بزيارة لعزالدين القسام، وكان المرشد يحث الشبان على التبرع للإخوة في فلسطين، وأرسل لهم الوفود وأمدهم بالمال، وأرسل أخاه عبدالرحمن البنا للالتقاء بالقسام، إلا أن لله مقادير أخرى فقد استشهد القسام.
كان شعب فلسطين يكافح قبل وعد بلفور المشئوم 1917 ، وقدم التضحيات العظيمة، وفي العام 1920م قامت مظاهرة من المسجد الأقصى شارك فيها نحو أربعين ألفا رفعت خلالها مذكرات ضد وعد بلفور والهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفي الأول من مارس/ آذار 1920 بدأ أول عمل مسلح ضد اليهود في مستوطنة المتلا قتل فيها سبعة يهود، وفي الثامن والعشرين من الشهر نفسه زار تشرشل القدس والتقى رئيس بلدية القدس موسى كاظم الحسيني، فقال تشرشل: “إن بريطانيا ملتزمة بتنفيذ وعد بلفور”.
في مايو/ أيار ،1920 هاجم ثلاثة آلاف عربي مستوطنة بتاح تكفا قرب يافا وأسفرت المعركة عن استشهاد 108 وجرح 75 عربيا في مقابل سقوط 47 قتيلا يهوديا وجرح ،146 وصدر حكم بالإعدام من قبل المحتل البريطاني على عطا الزير ومحمد جمجوم من الخليل وفؤاد حجازي من صفد. ثم جاءت ثورة البراق 16 – 26 أغسطس/ آب 1929 وسقط نتيجتها 133 من اليهود وجرح 339 واستشهد 116 وجرح 232 عربيا.
وجاءت حركة المجاهد عز الدين القسام 1935م، والذي قام بتربية جيل من الشباب على حب الجهاد، إذ كان رئيسا لجمعية الشبان المسلمين في حيفا، واستشهد في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني في موقع قرب جنين “يعبد” برصاص الجيش البريطاني، وكان القسام التقى في القاهرة مع المرشد الأول ومؤسس حركة الإخوان المسلمين المصلح الاجتماعي الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى. وأقامت المساجد صلاة الغائب على روح الشهيد القسام يوم الجمعة 22 نوفمبر .1935 ومنذ ذلك التاريخ أصبح القسام ملهما لذوي الاتجاهات الإسلامية بل وحتى اليسارية، وهو ما أكده نايف حواتمه في دراسته النقدية “حركة المقاومة الفلسطينية في واقعها الراهن” الصادرة في العام .1969
في العام 1936م نشأت جماعات متطرفة صهيونية “أرجون زفائي ليومي وجمعية شتيرن والبالماخ” وعلى الجانب العربي تشكلت “النجادة” و”الفتوة” وقبلهما “الجوالة” التابعة للإخوان المسلمين. وحاول الإخوان عن طريق إرسالهم وكيل الإخوان الصاغ محمود لبيب، القيام بمهمة التنسيق بين الفرقتين، ولكن بريطانيا فطنت لخطورته. وفي العام ذاته “1936” أذيع بيان من الحكومات العربية يدعو الفلسطينيين الذين قاموا بإضراب من 15 أبريل / نيسان لغاية 8 أكتوبر/ تشرين الأول ،1936 يقول: “لقد تألمنا كثيرا للحال السائدة في فلسطين فنحن وبالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبدالله ندعوكم للإخلاد والسكينة حقنا للدماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية”! وانضم إلى فلسطين، في العام نفسه، ثوار مسلمون من سورية ولبنان والعراق، إذ تسلم فوزي القاوقجي قيادة الثوار والمجاهدين.
وبعد أن كان دور بريطانيا الخبيث في مساندة الصهاينة، علق الحاج أمين الحسيني آمالا على انتصار ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ولكن ألمانيا انهزمت في تلك الحرب، وتشتت عائلة الحاج الحسيني إلى أن استقر في بيروت.
وفي العام 1945 قامت الجامعة العربية، التي انتدبت في سنة 1946 جمال الحسيني رئيسا للهيئة العربية العليا نيابة عن الحاج أمين الحسيني، الملاحق من البريطانيين. وفي العام التالي اجتمعت هيئة الأمم وصوتت بأكثرية الثلثين على قرار تقسيم فلسطين، ورفض العرب القرار، وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول 1947 أقرت الجامعة العربية، ممثلة في لجنتها السياسية تخصيص مبلغ مليون جنيه للقتال وعينت عبدالقادر الحسيني قائدا عاما للجهاد المقدس، وفي الشهر نفسه كان الضباط البريطانيون يقومون بتدريب فتيان وفتيات الهاجاناه على أعمال العصابات، وصدر القرار بدخول الجيوش العربية بعد انتهاء الانتداب البريطاني، واستشهد الحسيني في 28 أبريل ،1948 وكان أن أرسل قبلها بيومين تقريرا للجامعة العربية يحملها فيه ضياع فلسطين. وكان أن سقطت المدن العربية على أيدي العصابات الصهيونية.
بدأت القوات البريطانية بالانسحاب من بعض المناطق في فبراير / شباط 48 وتسليمها إما إلى العرب أو إلى عصابات الهاجاناه، وذلك بحسب قرار التقسيم، وفي 6 مارس 48 دخل فلسطين جيش الإنقاذ “قوامه ثلاثة آلاف مقاتل” بقيادة القاوقجي، وبتدبير من قائد الجيش الاردني الإنجليزي غلوب باشا! فأي مفارقة تلك!
وبعد مغادرة المندوب السامي البريطاني في 14 مايو ،1948 اجتمع المجلس الأعلى لليهود في تل ابيب وأعلن قيام دولة “إسرائيل”، فاعترفت الولايات المتحدة الأميركية بها وتلتها الدول الكبرى.
وفي الثاني من يونيو/ حزيران 48 دخل اليهود جنين، وقام القائد العراقي عمر علي بعمليات “بطولية شجاعة” خسر على اثرها الصهاينة ألف قتيل وستمئة جريح، وكان جزاؤه الإعدام، لأنه قام بالعمليات من غير أوامر! ومذ ذلك الحين بدأت عبارة “ماكو أوامر” تتناقلها الألسن في شتى البقاع وعلى مختلف جبهات القتال!
وفي يونيو 48 فرضت أميركا الهدنة على العرب بطلب من اليهود، حتى يلملموا شتاتهم ويعيدوا التوازن، وذلك بوصول مزيد من المهاجرين، ولكي يتم تزويدهم بالسلاح التشيكوسلوفاكي.
في 17 سبتمبر/ أيلول 48 اغتالت أيادي العصابات الصهيونية الوسيط الدولي ألكونت برنادوت، وفي 23 سبتمبر من العام نفسه أعلن الحاج أمين الحسيني قيام حكومة عموم فلسطين برئاسة حلمي عبدالباقي في غزة، وكان أن ربطت بين الحاج الحسيني والإخوان المسلمين علاقة مصاهرة، إذ إن زوج كريمته أحد كوادر الإخوان المسلمين، وتم عقد القران في بيت ابنة المرشد العام وفاء البنا وزوجها سعيد رمضان القيادي البارز في التنظيم.
عقد مؤتمر أريحا في يناير/ كانون الثاني 1948 بوجود الملك عبدالله وتقرر ضم الضفة الغربية للأردن وأصبح اسمها المملكة الأردنية الهاشمية. وبعد ذلك توالت الخيانات على فلسطين من قبل الحكومات العربية وجيوشها وبعض قواد تلك الجيوش من أمثال غلوب باشا الذي كان له الدور الأخطر على الإطلاق، فهو الذي كان يقوم بتسليم رقاب الجنود العرب للصهاينة. وغلوب باشا هو الذي أشار على المحاصرين في الفلوجا أن يرموا السلاح ويلبسوا لباس النساء ويخرجوا من الحصار! ولكن المحاصرين أدركوا المخطط ورفضوا ذلك. وغلوب باشا هو الذي مهد للضربة القاتلة التي تلقاها الجيش السوري في “سمخ”، وهو الذي منع الجيش الأردني من الاشتراك في المعارك التي دارت في القدس، وهو الذي منع جيشه من دك مراكز اليهود ومعاونة المناضلين العرب، وهو صاحب الأمر بإخلاء اللد والرملة ليفسح المجال للصهاينة بحركة التفاف حول جناح الجيش في الفلوجا.
هذا التأسيس للكيان اللقيط الذي ما كان له أن يصمد لولا الدعم البريطاني والتواطؤ العربي والعمل الدبلوماسي الأميركي، هذه عوامل رئيسية للكشف عن خيوط المؤامرة الكبرى.
في فترة الستينات، وبعد النكسة تحديدا، إذ سقط المسجد الأقصى ولم يكن يقتل من دونه حتى عشرة أفراد من الجيش الأردني المرابط هناك! وقد لعلعت الإذاعة الصهيونية بالبرقية التي التقطتها من الرئيس عبدالناصر وهو يحادث الملك حسين قائلا له: “اسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تلك أبيب. شد حيلك يا جلالة الملك – التوقيع سلمى”.
وكانت الجبهة المصرية والوقائع الميدانية عكس ما أبرق الرئيس للملك تماما، إذ كانت ليلة حمراء أبطالها قادة أسراب الميغ والقيادة المسلحة الذين كانوا مدعوين من قبل “باروخ نادل – اليهودي” مستشار قيادة الأركان الجوية المصرية من العام 1953 لغاية ،1967 وبعد تلك السهرة الصاخبة غادر القاهرة وهو يقول: لم أغادر القاهرة إلا وقد رأيت الدخان يغطي سماءها من المطارات المحترقة التي أغارت عليها الطائرات الإسرائيلية الساعة الخامسة صباحا… ودخل الصهاينة المسجد الأقصى وصاحوا: “محمد مات وخلف بنات”، وذلك ما يؤكد استمرار مسلسل الخيانات وغياب الرئيس عما كانت تقوم به قيادات الجيش.
وتشكلت منظمة التحرير الفلسطينية فلجأت إلى العمل الفدائي، وأيضا الجبهة الشعبية العاملة تحت قيادة جورج حبش، وانشق عنها نايف حواتمه ليشكل الجبهة الشعبية الديمقراطية، في ذلك الحين كان الإخوان المسلمون في سجون النظام المصري يبكون لعدم مشاركتهم في القتال، ويذكر غير واحد، أنهم طلبوا من السجانين أن يرسلوهم إلى الجبهة وبعد أن ينتهي القتال يعيدونهم إلى السجون! وانضم إلى جبهة المعركة بعد ذلك حزب البعث السوري وشكل “الصاعقة السورية” وحزب البعث العراقي وشكل “الصاعقة العراقية”.
وبعد أن كون الفدائيون الفلسطينيون أرضية للانطلاق، وهي الأردن، وبعد أن استثارت النظام الأردني بشعارات “كل السلطة مقاومة”، و”عمان هانوي العرب”، وغيرها من شعارات أثارت حفيظة النظام الأردني فأجهز على الفدائيين فكانت مذبحة أيلول الأسود .1970 وبتلك المقتلة في الأردن اكتملت حلقات الإبادة والطرد من سورية، إلى أن لجأوا وتجمعوا في لبنان، فدارت معارك بين الموارنة والفلسطينيين الذين رجحت كفتهم، وبإيعاز من الرئيس الأميركي جيمي كارتر تم التدخل لعمل موازنة، وذلك عن طريق جيش عربي يدخل لبنان.
في عام الاجتياح الاسرائيلي للبنان “1982” كانت شاشات التلفزة تضج بأشلاء النساء والأطفال في مخيمي صبرا وشاتيلا، بعد أن ألقت المنظمة السلاح، إثر تدخل العرب. وفي خضم هذه الحوادث لم تتبلور حركة إسلامية في فلسطين تحمل لواء الجهاد، إلا في الانتفاضة المباركة في العام 1987 التي شارك فيها جميع فصائل المقاومة الفلسطينية وحماس تحديدا. ويعزو الإخوان المسلمون في فلسطين “حماس” عدم حضورهم على الساحة الفلسطينية إلى تآمر الأنظمة العربية قاطبة على حركتهم، إذ تم ضربهم في محاكمة 1954 الشهيرة في مصر، والتي أعدم فيها عبدالقادر عوده ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وبعض شباب الإخوان. وكذلك في العام 1965 حيث ألقي القبض على آلاف المنتمين للحركة، وتم إعدام الشهيد المفكر سيدقطب بتهمة “التخابر والتعاون مع دولة أجنبية هي أميركا”!
وينقل عن قطب قوله حينما طلب منه الاعتذار: “إن الاصبع الذي يشهد بالوحدانية لله يرفض أن يقر حاكما طاغية على حكمه”، وقوله: “إن كنت مذنبا فقد أخذت جزائي”.
وفي السبعينات جاءت القضية الشهيرة باسم “الفنية العسكرية”، والتي تم فيها إعدام صالح سرية وكارم الاناضولي، وبعدها قضية “التكفير والهجرة”، وتم إعدام شكري مصطفى ومعه بعض الشبان، وجاء العام 1981 وقامت حركة الجهاد بعملية اغتيال أنور السادات. هذا ناهيك عما قامت به الأنظمة العربية الأخرى من ملاحقات لأي حركة ترتبط – ولو فكريا – بالإخوان المسلمين، ولذلك تعتبر الأنظمة العربية قد أقصت الإخوان المسلمين واضطهدتهم، ويعزز هذا الرأي قول محمد قطب: “راجعت تاريخ الاضطهاد في البشرية فلم أر جماعة اضطهدت وعذبت مثل جماعة الإخوان المسلمين”.
هذا جانب من جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين من وجهة نظر مفكريهم، وعلى رأس هؤلاء يأتي الشهيد السعيد عبدالله عزام، حسن دوح، مصطفى السباعي، علي مصطفى نعمان، أحمد رأفت… وآخرين. اللهم اغفر لهم وارحمهم واكرم نزلهم.

http://www.alwasatnews.com/mobile/news-464608.html

Advertisements