سُنة البحرين ليسوا عصا لوقف عجلة التاريخ

محمد العثمان

القدس العربي 2012-06-07

يخسر من يظن نفسه إنه سيوقف عجلة التاريخ. ويخسر غيره من يظن إنه بمفرده (طائفته وطيفه السياسي الذي ينتمي إليه) يقرر مصير بلد متعدد الطوائف والأطياف السياسية. إذاً، الحوار وسيلة العقلاء فقط (العقلاء تحتها أكثر من خط، حيث بات العقل أغلى ما في المشهد السياسي البحريني)، والحوار بغية الوصول لصورة مستقبلية متكاملة عن البلد ومصيره في الحكم والإدارة.’
ليس بيد نظام الحكم الكثير من الأوراق. فما استفاد منه في أزمة السنة الفارطة لا يمكن التعويل عليه في رسم وتحديد ملامح السنوات القادمة. ما استفاد منه هو وسيلة للإنقاذ؛ والإنقاذ عملية طارئة مؤقتة وليست دائمة. استثناء وليس قاعدة.
وجوه الأزمة: الوجه الأول: ربيع الثورات العربية وصولاً إلى احتجاجات البحرين والمطالبات الشرعية (رغم المشاركة الشيعية المكثفة فيها وإنزواء السُنة عن المشاركة). وقد عمّق من الشقة وهذا الإنزواء الارتدادات الفئوية المطلبية كالمطالبة بإقامة الجمهورية، وشبح الحالة العراقية والتدخلات الإقليمية.
الوجه الثاني: استيعاب سُنة البحرين لخيارات الحراك الجماهيري وضروراته، وبدأوا التحرك تجاه خلق مجتمع سياسي مستقل عن النظام وزبائنه الدائمين. وتمثل ذلك في تجمّع الوحدة الوطنية بكل أطيافه، رغم اعتبارنا أن السُنة يمثلون الأكثرية فيه إلا أنه ظل ملتزماً بالوحدة الوطنية ومحافظاً على لغة التسامح البحريني، ومهما قيل عن مواقفه. إلا أنه لم يمارس الإقصاء ضد الآخر. بل ظل متمسكاً بمشاركة الجميع في أية خيارات مستقبلية تسير إليها البلاد.
الوجه الثالث: نظام الحكم. عجز نظام الحكم عن احتواء الأزمة منذ تفجرها. ظل مشوشاً ومرتبكاً. تارة يسمح للمعتصمين بالدوار ويعتبر ذلك حرية رأي وتعبير وحقا مكفولا دستورياً، وتارة يمنع ويعتبر ذلك مخالفاً للدستور والقانون!! وتارة يستخدم لغة التسامح والإلفة الاجتماعية بين البحرينيين، وتارة يستخدم الفزاعات المبالغ فيها (والمفتعلة في أحيان كثيرة) وذلك لا ينفي حقيقة بعضها على أرض الواقع والتي أثبتها تقرير بسيوني، ولكن ليس بالصورة المضخمة. وكان النظام يستخدم ذلك لضمان موقف التضامن الداخلي (السُنة) والإقليمي دول الخليج العربي والمنطقة العربية معه، ولتبرير الوضع الحالي والتصدي لأية إصلاحات سياسية يخسر فيها مواقع سياسية ومنافع اقتصادية احتكرتها الطبقة الحاكمة طيلة القرن الماضي.
الوجوه متكاملة: التعقيدات والتشابك والتقاطع بين هذه الصور يخلق صورة متكاملة عن الأزمة. فما هي هذه الصورة؟!’
– نظام الحكم أخطأ في تقدير الموقف أكثر من مرة. إذ بدلاً من احتواء الموقف في ظرف التغييرات العربية راح يبطش بكل أدواته من غير اناة ولا ترو بالمعارضين والمحتجين وسقطت الضحايا وتلاها ضحايا ومورست انتهاكات لحقوق الإنسان دونتها لجنة تقصي الحقائق ولا يمكن نكرانها ولا يفيد ذلك النكران البحرين وشعبها ومستقبلها في شيء.’
نظام الحكم لم يرد أن يخسر شيئاً. ولم يرد أن يسدد ضريبة البقاء في عالم متحول من العقلية القديمة إلى منظومة حقوق الإنسان العابرة لحدود ومفاهيم السيادة الوطنية. حدود: ‘ديرتي وأنا حرّ فيها… ونحن نملك الأرض ومن عليها’.’
التمسك بالمنظومة القديمة لحكم الشعوب لم تعد مجدية، بل تبقى الأنظمة التي تسير عليها أنظمة معزولة ومحاصرة دبلوماسياً ومفضوحة في إطار المنظمات الدولية والدول المتقدمة. والتمسك بالاساليب القديمة هو مجرد تمطيط للأزمة وليس حلها بصورة نهائية.
– السُنة، لملموا جراحهم من جراء سياسة ‘الحكومة أبخص’. ومازاد الطين بلة هو تصريح وزير الخارجية عن المجتمع البحريني وهو يصف البحرينيين (سُنة وشيعة) بأن ‘حالتهم حالة’. في إشارة إلى الصراع السني/ الشيعي. وكأنه يعيش خارج المنظومة الحاكمة التي ساهمت بشكل أساسي في صناعة مشهد حالته حاله!!
من خلال أدوات التهييج الطائفي وفتح المجال للتوتير المذهبي في البحرين! وسوء إدارة الحكم وموارد البلاد وانعدام العدالة الاجتماعية وخلو البلد من الديمقراطية الحقيقية والعمل السياسي الجاد بالسماح لأحزاب وانتخابات حرّة نزيهة لا يفرض فيها على الناس (وتحديداً السُنة) خيارات فوقية من دواوّين الحكم بأجنحته المختلفة وبالترغيب تارة والترهيب تارة أخرى. وقد أشار إلى ذلك بكل جرأة ووضوح وفصاحة إئتلاف شباب الفاتح في بيان مسيرة 9 مارس 2012 بعبارة يرفض فيها ‘تدخل النظام السياسي في خياراتنا لا بالمال السياسي ولا من خلال توجيه أصوات العسكريين’.
شيعة البحرين ليست حالتهم حالة، ولا سُنة البحرين كذلك. والسُنة على وجه التحديد من جعل حالتهم حاله هي سنوات القمع والتهجير والشتات في مدن متفرقة، في خطة مدروسة باتقان نفذتها الدولة. ليست حالتهم حاله بل سياسة الدولة في إفراغ وتفريغ وتفريق جموعهم وشتاتها، وفي قمع أصواتهم الحرّة النقية.
ومع كل محاولات النظام السياسي في جعل السُنة ‘حالتهم حاله’، إلا أن سُنة البحرين صدروا قياديين وكوادر سياسية في طليعة العمل الوطني؛ السياسي النضالي والحقوقي والاجتماعي الأهلي والثقافي التنويري… إلخ من مجالات حيوية في البحرين. ورفدوا كافة مؤسسات المجتمع المحلي؛ بل والخليجي بالطاقات الإبداعية الخلاقة.
عجلة التاريخ تسير بوتيرة متسارعة وقطار التغيير قادم لا محالة؛ إن لم يكن في هذه الموجة ففي الموجات المستقبلية. وواهم نظام الحكم في البحرين إن ظن بأن السُنة من الممكن استخدامهم عصا لعرقلة السير باتجاه حقوق الإنسان والديمقراطية الحقيقية والحرية. فلا يوجد أغبياء يؤدون هذه المهمة في عالم مفتوحة صفحاته على الانترنت والتويتر والفيس بوك والبي بي مسنجر والواتساب. ولا يقوم بهذه المهمة إلا’الأشباح ومدفوعو الأجر على صفحات الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي (التويتر والفيس بوك)!’
ومع ما ذكرته لجنة تقرير بسيوني فإن الخروج من المحنة وضمان عدم تجددها يتطلب الآتي:
ـ منظومة لحكم وإدارة البلاد على قاعدة توافق أكثرية شعبية (سُنة/ شيعة).
ـ وضع جدول زمني صارم لإصلاحات سياسية على قاعدة ‘الشعب مصدر السلطات’ كما ورد في الميثاق. ولا يتأخر تنفيذها لأي سبب كان.
– انتخابات للمجالس التمثيلية لا تتدخل فيها يد الدواوّين، وعلى الأخص في الدوائر ذات الغالبية السنية.
– محاسبة المتورطين بالدم والقتل من أي طرف كانوا في محاكمة عادلة تتوافر فيها شروط العدالة وأولها حقوق المتهم.’
– سلطة قضائية لا تعلو عليها أي من السلطات في البلد. سواء في التعيين أو الترقي لدرجات أعلى أو العلاوات أو الندب للهيئات واللجان.
ـ محاسبة المتورطين بالتجاوزات في انتهاكات حقوق الإنسان. فلا يعقل أن يكون هناك تعذيب – أشار إليه تقرير بسيوني- ولا يوجد معذبون! وذلك يذكرنا بحالنا مع تقارير الرقابة المالية: يوجد فساد ولا يوجد مفسدون!!
ـ حيادية الدولة في إدارة الإعلام. فهو يدار من قبل نظام الحكم، في حين يتم الإنفاق عليه من موارد وميزانية الدولة التي هي أموال الشعب البحريني. ويتم تسيير الشعب عليه بدلاً من العكس، إذ يجب ان يكون الإعلام مسيرا وميسرا للشعب!
ـ حصر مهام الأمن الوطني في جمع المعلومات وتسليمها للقضاء، وليس المشاركة في الشأن العام كحزب سياسي يخدم أطرافا في السلطة الحاكمة. ويشارك في الحملات السياسية ضد الخصوم السياسيين في التشهير واستخدام المعلومات الخاصة للأفراد بقصد النيل منهم. حتى أصبح لدينا في البحرين حزب يسمى: حزب الأمن الوطني!!
إن قطار التغيير قادم، وعلى بيت الحكم السباق مع الزمن لتحقيق مملكة آمنة ومستقرة وتنتمي للعالم الجديد الذي لا يعرف إلا لغة حقوق الإنسان والحريات بمختلف مجالاتها المدنية والسياسية. قطار التغيير حتى وإن توقف في محطة أو أخرى إلا أنه قادم للبحرين لا محالة.

العالم يعيش أوضاعاً لا تحتمل التلكؤات في التغييرات، والتعويل على عامل الزمن لطي صفحة الأزمة من جهة وعلى العوامل الخارجية من جهة أو النفخ في سعير الطائفية من جهة أخرى كلفته باهظة الثمن، ولن يجدي كل ذلك نفعاً للأجيال القادمة التي لن تعترف إلا بحقوق كاملة غير منقوصة.
عمار البحرين لن يكون إلا بسواعد شعبها. والله من وراء القصد.

Advertisements