محمد العثمان

شهادة الدم !

جريدة البلاد 24 ديسمبر 2009

سطر الحسين رضي الله عنه باستشهاده أروع ملحمة إنسانية ومنازلة تاريخية شهدتها البشرية. منازلة بين الظلم والعدل، والحق والحقيقة والكذب والتضليل. ملحمة سطورها باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وملامحها متجددة ما دام هنالك ظلم يقارع العدل، وباطل يناوش الحق. وهذا ما لا يختلف عليه اثنان من المسلمين، سنة وشيعة وغيرهم من طوائف. إلا ما شذ وندر.
ومع ذلك، فإن كثيرا من الاستفزازات التي يمارسها بعض غلاة الشيعة والسنة، في شهر محرم هذا يستدعي وقفة صارمة من قبل علماء السنة والشيعة. لمنع ترويج البضائع المزجاة لدى الطائفيين من كلا الفريقين.
فالسباب والشتائم والتصريح والتلميح بمفردات وعبارات وإسقاطات ومواقف… كلها تصب في غير صالح المسلمين وسلامهم الاجتماعي والتعايش الأهلي ضمن نطاق الأسرة الإسلامية.
الاستفزازات بعض مصادرها مجرد عادات وتقاليد وأباطيل عقدية فاسدة. اختلط بعنصرية بغيضة تهيل على الحق تراباً، وتنقب عن الباطل تنقيباً معجوناً بطينة الكراهية. ولا هذه أو تلك لها أساس في التشيع النقي الأصيل أو التسنن الأخلاقي الراقي.
التشيع، بادئ ذي بدء، ليس ديناً مغايراً للإسلام أو مذهباً مناقضاً لمذاهب بقية المسلمين (ولا احتاج هنا إلى سماع شريط عبدالله السلفي أو قراءة رسائل الشيخ محمد عبدالوهاب، أو ملاحقة إصدارات إحسان إلهي ظهير أو الاطلاع على “ثم اهتديت” والرد عليه “بل ضللت”)، إنما أمر المذاهب كان ان فريقا من المسلمين، قبل استشهاد الحسين وبعده كان يمارس المعارضة السياسية من خلال مذهب التشيع. ثم إن كثيرا من القطاعات والفئات الاجتماعية، التي لحقها الظلم والحيف من الحكم العضوض للدولة الأموية، قد التحقت بالتشيع.
ظل الحال، حال المعارضة السياسية مقصوراً ومحصوراً في الشيعة، إلا ما ندر من ثائر هنا أو هنالك. فالتشيع كان توجهاً سياسياً ثائراً ساخطاً على الأوضاع الاجتماعية.
لذا، استمرت حال المعارضة على هذا المنوال. فالإمام زيد رضي الله عنه – إليه تنتسب الزيدية- كان معارضاً سياسياً، وثائراً ضد الظلم والجور، فما كان من الإمام أبوحنيفة رضي الله عنه إلا أن مدهُ بثلاثة آلاف درهم في ثورته تلك. وهذا المدد لم يك لو كان زيداً أو غيره من المعارضين يحملون عقيدة أو مذهباً مغايراً لما كان عليه المسلمين.
وليس من أبناء السُنة من يحب أن يحشر مع قتلة الحسين وأصحابه، وهم يتلون كتاب الله في آية التطهير، ثم يدرسون الأحاديث المتواترة في فضائل الحسين، من سيد شباب أهل الجنة إلى ريحانة رسول الله…
مأساتنا عدم إدراك ثورة الحسين وأهدافها ومضامينها، ومفاهيمها ورسالتها التي ستبقى على مر العصور شهادة قدمها بدمه من هو أعز شرفاً وأعلى نسباً وأكرم خُلقاً وخلقاً في سبيل هذا الدين ونصرته. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون.

Advertisements